"السلام يصنع التعايش - مقاربة فكرية في مشروع الشرفاء الحمادي" ليس كتابًا عن السلام بوصفه شعارًا، ولا عن التعايش باعتباره مجاملة أخلاقية؛ بل هو بحث يضع إصبعه على سؤال بالغ الحساسية: كيف يرى الإنسان المختلف عنه، وكيف تتحول هذه الصورة الذهنية إلى علاقةٍ منفتحة أو إلى خصومةٍ وإقصاء؟ ومن هنا يأتي الكتاب بوصفه مشروعًا بحثيًا ممتدًا من عدة كتب، يختار كل منها زاوية من زوايا المشروع الفكري لعلي محمد الشرفاء الحمادي، بينما يركز الكتاب الذي بين أيدينا على "إشكالية التعايش الإنساني ورؤية الآخر في الفكر الإسلامي المعاصر - دراسة نقدية في ضوء فكر علي محمد الشرفاء الحمادي".
ينطلق المؤلف من فكرة مركزية: التعايش ليس ترفًا فكريًا ولا ترتيبًا سياسيًا مؤقتًا، بل شرط من شروط العمران الإنساني؛ فالحضارة نفسها ولدت حين تعلم الإنسان أن يعيش مع المختلف، وأن يحول التنوع من وقود للصراع إلى مساحة للتعارف والتعاون والإبداع. لكن التعايش لا يبدأ من القوانين وحدها، وإنما من الوعي؛ لأن صورة الآخر في العقل تسبق العلاقة معه في الواقع. فإذا عُدَّ المختلف إنسانًا كامل الكرامة والحقوق، أمكن بناء الشراكة، أما إذا اختُزل إلى تهديد أو خصم، فإن الصراع يكون قد بدأ قبل المواجهة.
محتوى في 10 فصول
وفي رحلة تحليلية من عشرة فصول، يتتبع الكتاب جذور الأزمة، فيفحص الخطاب الديني البشري وكيف أسهمت بعض قراءاته في تشويه مفهوم التعايش القرآني، ثم يعود إلى النص القرآني لتأصيل قيم العدل والرحمة والحرية والكرامة والتعارف. وينتقل إلى التجربة الإسلامية التاريخية، من صحيفة المدينة إلى فكرة الشراكة الحضارية، ثم يتوقف عند مشروع "رسالة السلام العالمية" بوصفه انتقالًا من الفكرة إلى المؤسسة والمشروع الحضاري. ويخصص مساحة مركزية لفكر الشرفاء الحمادي، مركزًا على الإنسان والكرامة، وعلى التمييز بين الوحي الإلهي والاجتهاد البشري، وعلى قراءة التراث بوعي تاريخي لا يستسلم لأسره.
ولا يكتفي الكتاب بالنموذج الإسلامي؛ إذ يفتح نافذة نقدية على التجربة الغربية في إدارة التنوع، مستفيدًا من مكاسبها ومتوقفًا عند حدودها، ثم يذهب إلى قلب الحاضر: الإعلام والعولمة الرقمية، والخوارزميات، وفقاعات الاستقطاب، وصناعة الكراهية، وأزمة الهوية، والحاجة إلى خطاب جديد للمواطنة الرقمية والشراكة الإنسانية. كما يناقش مسؤولية المؤسسات الدينية والمناهج التعليمية في صناعة صورة الآخر، وضرورة الانتقال من التلقين إلى التفكير، ومن حراسة الهوية إلى بناء الإنسان الشريك.
وتزداد قيمة الكتاب الآن لأن العالم، رغم تقارب المسافات، يعيش اتساعًا في الاستقطاب والكراهية والانغلاق، فيما تضاعف المنصات الرقمية سرعة انتشار الصور النمطية والخطابات المتشنجة. لذلك لا يقدم الكتاب مرافعة دفاعية عن الإسلام، ولا اتهامًا له بأزمات صنعها التاريخ والسياسة والقراءات البشرية؛ بل يبحث عن المسافة بين القيم القرآنية وممارسات الواقع، ويختبر إمكانات استعادة المعنى الإنساني للرسالة. وفي قلب هذه الرؤية يأتي الشرفاء الحمادي باعتباره نموذجًا فكريًا يرى أن الأزمة ليست في النص القرآني، وإنما في الفهم والقراءة والتوظيف، وأن استعادة الرحمة والعدل والحرية وكرامة الإنسان يمكن أن تعيد بناء العلاقة مع الآخر.
ويكتسب الكتاب بعدًا آخر من منهجه؛ فهو لا يكتفي بإدانة الكراهية، بل يسأل عن البنى التي تنتجها: الخطاب، والتعليم، والمؤسسة، والإعلام، والذاكرة التاريخية. ومن ثم يتحرك من التشخيص إلى البناء، ومن النقد إلى اقتراح أفق ممكن. وفي رؤية الشرفاء الحمادي، لا يتوقف السلام عند غياب الحرب؛ فالسلام الإيجابي يبدأ حين يشعر الإنسان بأن حقه مصون، وكرامته معترف بها، وصوته مسموع. ويأتي الإحسان هنا درجة أرقى من الإنصاف، لأنه يحول التعايش من التزام قانوني إلى علاقة إنسانية دافئة، ترى في الاختلاف غنى يستحق الاحتفاء، لا خطرًا يستدعي الحذر.
كتاب للجميع
إنه كتاب للباحث والقارئ العام معًا؛ يفتح أسئلة الدين والإنسان والدولة والهوية والإعلام والتعليم، ويترك القارئ أمام خلاصة بسيطة وعميقة: لا يكفي أن نمنع الصراع، بل ينبغي أن نبني أسباب العيش المشترك، وأن ننتقل من قبول الاختلاف على مضض إلى رؤيته مصدرًا للثراء. والكتاب، في جوهره، دعوة إلى الفهم قبل الحكم، وإلى بناء الجسور بدل تشييد الجدران، وإلى سلامٍ لا يخفي المظالم بل يؤسس للعدل والاحترام المتبادل.
الكتاب يقع في مئتين وتسعين صفحة من القطع الكبير. وسعر الكتاب: 250 جنيهًا داخل مصر، و10 دولارات أمريكية للبيع خارج مصر.