إعداد – فريق العرب بوك
"حيَّه خليفة.. سيرة ومسيرة خليفة بلقاسم حفتر" دراسة توثيقية تحليلية معمقة تتعقب مسار ليبيا من لحظة تآكل الدولة وصعود الميليشيات والتنظيمات المتطرفة، إلى محاولة استعادة الأمن وبناء المؤسسة العسكرية واسترداد السيادة. أعدها الباحثان محمد فتحي الشريف ورضا عبد العزيز محمد، ويضعان في مركز الحكاية هتاف «حيَّه خليفة» الذي خرج من بنغازي في لحظة اختناق، ثم تحول، في قراءة الكتاب، من نداء استغاثة إلى شرارة لمسار سياسي وعسكري ومؤسسي أوسع. ولا يكتفي الكتاب بسرد المعارك؛ بل يربط الميدان بالشرعية، والإعلام، والسياسة، والتنمية، والتكوين الإنساني لقائد ارتبط اسمه بمشروع إعادة بناء القوات المسلحة العربية الليبية.
تكمن أهمية الكتاب اليوم في أنه يضع التجربة الليبية داخل سؤال عربي أوسع: ماذا يحدث حين يصبح السلاح خارج الدولة سلطةً موازية، وحين تتحول الميليشيات إلى أدوات نفوذ، ويغدو الأمن رهينةً للتجاذب؟ في زمن تتسع فيه خرائط الفوضى، يصبح درس ليبيا شديد الصلة بالمكتبة العربية: لا استقرار دائمًا من دون مؤسسات، ولا سيادة مع تعدد مراكز القوة، ولا تنمية قابلة للحياة من دون أمن يحميها.
والكتاب، بما يجمعه من سرد للوقائع وتحليل للمسارات، يقدم للقارئ مادة لفهم تجربة مركبة، لا مجرد متابعة لحرب. وهو يراهن على أن الأمن ليس غاية منفصلة، بل جسر إلى الإعمار والحياة الكريمة، وأن استعادة الدولة تبدأ حين يعود القانون فوق السلاح، والمؤسسة فوق الجماعة، والوطن فوق الانقسام.
ومن أبرز ما يلفت في الدراسة أنها لا تفصل بين تحرير المكان وإعادة بناء الإنسان والمؤسسة؛ فبنغازي والهلال النفطي والجفرة ودرنة وفزان ليست محطات عسكرية متجاورة، بل حلقات في تصور واحد للسيادة. ويبرز الكتاب كذلك حضور البعد الإنساني: حماية المدنيين، فتح الطرق، إزالة آثار الحرب، استعادة الخدمات، والمساهمة في تهيئة بيئة تسمح للمدن والواحات باستعادة إيقاع الحياة. كما يتوقف عند دور مجلس النواب، وحرب السرديات، والتدخلات الخارجية، وخطوط التوازن التي صنعتها مرحلة ما بعد طرابلس، ليقول إن معركة الدولة لا تنتهي بانتهاء الرصاص؛ فهناك معركة أخرى أطول نفسًا، عنوانها تثبيت المؤسسات، واستعادة الثقة، وتحويل الأمن إلى قاعدة للتنمية، لا إلى بديل عنها، بثقةٍ وأفقٍ جديدٍ يليقُ بتضحياتِ الليبيين وأحلامهم.
"حيَّه خليفة" كتاب للباحث والقارئ وصانع القرار معًا؛ لأنه يفتح ملفات المعركة، والدولة، والشرعية، والإعلام، والجيش، والتنمية، في سرد واحد متصل. يقع في أربعمائة وأربع وخمسين صفحة من القطع الكبير. وسعر النسخة 500 جنيه داخل مصر، و20 دولارًا أمريكيًا للبيع خارج مصر.
في «حيَّه خليفة» يتحول الهتاف الشعبي من صرخة استغاثة إلى شرارةٍ لمسار تاريخي؛ وهنا تبرز عبارات لا يغيب أثرها عن الوجدان، حتى بعد الفراغ من قراءة الكتاب:
-الأمن ليس غايةً قائمةً بذاتها، بل جسرٌ إلى الاستقرار والإعمار والحياة الكريمة.
-لا يمكن أن تقوم الدولة مع تعدد مراكز القوة المسلحة خارج مؤسساتها.
-الشرعية السياسية تحتاج إلى قوةٍ تحميها، والقوة تحتاج إلى شرعيةٍ تمنحها معناها الوطني.
-القوات المسلحة لا تبني انتصارها بتحرير المدن وحدها، بل بحماية مكتسباتها ومنع عودة الفوضى.
-الجيش الوطني يحرر بلا دمار، ويسيطر بلا انتقام.
-التحرير الحقيقي هو الذي يقترن فيه الأمن بالتنمية، وتتلاقى فيه الحرية بالمسؤولية.
-في معركة الوعي، تصبح الصورة والرواية والإعلام جبهة موازية لجبهة الميدان.
-الدولة لا تستعيد عافيتها بتجميد الصراع، بل بإعادة بناء مؤسساتها، وتوحيد مرجعيتها، وبسط سلطة القانون فوق كل سلاح.
إلى المكتبة العربية.. كتابٌ يقرأ الدولة من قلب العاصفة
تحتاج المكتبة العربية إلى كتب لا تكتفي بتسجيل الأحداث، بل تحاول فهم ما وراءها: كيف تتآكل الدولة؟ وكيف يصبح السلاح سلطةً موازية؟ وكيف يمكن لمؤسسةٍ نظامية أن تعيد بناء حضورها وسط الانقسام؟ من هنا تأتي قيمة «حيَّه خليفة»؛ فهو يضع التجربة الليبية أمام القارئ العربي بوصفها حالةً سياسية وأمنية ومؤسسية تتجاوز حدود الجغرافيا. وبين بنغازي ودرنة والهلال النفطي والجفرة وفزان وطرابلس، يفتح الكتاب ملفات الإرهاب والميليشيات والشرعية والإعلام وإعادة بناء المؤسسة العسكرية والتنمية.
والأهم أنه يربط الأمن بمعناه الأوسع: حماية الإنسان، وتهيئة المجال للدولة كي تعمل، وللمدينة كي تعود إلى الحياة. لذلك يضيف الكتاب إلى المكتبة العربية شهادةً بحثية عن واحدة من أكثر تجارب المنطقة تعقيدًا، ويمنح القارئ مفاتيح لفهم سؤال عربي أوسع: كيف تستعيد الدولة نفسها حين تتشظى مرجعياتها؟
من ليبيا إلى العالم.. أزمةً عربية بلغةٍ دولية
بعد ترجمته إلى اللغات الأجنبية، يمكن لـ «حيَّه خليفة» أن يجد مكانه في المكتبات الدولية بوصفه مادةً لفهم واحدة من أكثر أزمات المتوسط وإفريقيا والعالم العربي تركيبًا. فالكتاب لا يتناول ليبيا باعتبارها شأنًا محليًا معزولًا؛ بل يكشف تشابك الإرهاب، والهجرة غير الشرعية، والحدود، والطاقة، والتدخلات الخارجية، والميليشيات، وأزمة الشرعية، وهي ملفات تتقاطع مصالح دول عديدة حولها.
كما يقدم الكتاب للقارئ غير العربي سرديةً واسعة عن تجربة إعادة بناء مؤسسة عسكرية في بيئةٍ شديدة الاضطراب، وعن انتقال الصراع من الميدان إلى الإعلام وصناعة الرواية.
وأيضًا، ترجمته ستمنح الباحثين والجامعات ومراكز الدراسات الأجنبية نافذةً على ليبيا من داخل سرديتها السياسية والمؤسسية، لا عبر التقارير العابرة وحدها؛ بما يجعل الكتاب صالحًا للحوار الأكاديمي والدبلوماسي حول الدولة الوطنية، والأمن الإقليمي، ومستقبل المتوسط وشمال إفريقيا.
خليفة حفتر.. قائدٌ في قلب معركة الدولة
تقدم صفحات «حيَّه خليفة» المشير خليفة بلقاسم حفتر بوصفه الشخصية المحورية في مسار إعادة بناء القوات المسلحة العربية الليبية، في لحظةٍ كانت فيها البلاد تعيش انقسامًا حادًا، وتفككًا في المنظومتين الأمنية والعسكرية، وصعودًا متسارعًا للميليشيات والجماعات المتطرفة.
ووفق الحقيقة وكما سرد الكتاب، لم تكن مهمته مجرد قيادة عمليات ميدانية، بل خوض معركة مركبة لإعادة تأسيس مؤسسة عسكرية نظامية وسط تحديات التسليح والتمويل والتدريب والتأهيل.
وتتابع الدراسة دور القوات المسلحة في استعادة الأمن في مساحات واسعة من الشرق والوسط والجنوب، وتأمين الهلال النفطي، ومواجهة التنظيمات المتطرفة وشبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود، وبناء علاقات شراكة وتعاون مع المجتمعات المحلية في المناطق كافة، وفق مقاربة تجمع بين القوة النظامية والتفاهم الاجتماعي.
ويبرز الكتاب في هذا السياق إعادة تفعيل المناطق العسكرية وفتح معسكرات التدريب أمام أبناء مكونات الجنوب، بما جعل المؤسسة العسكرية، طرفًا في بناء الحاضنة الوطنية لا مجرد قوة ميدانية.
ولا تتوقف الصورة عند الميدان؛ فالكتاب يربط بين استعادة الأمن وعودة الخدمات والتنمية والإعمار، ويعرض حضور المؤسسة العسكرية في حماية المدنيين والإغاثة خلال الأزمات والكوارث، وفي مقدمتها كارثة درنة. هكذا يرسم الكتاب صورة قائد يرى أن بقاء المؤسسة العسكرية متماسكة هو أحد شروط منع انهيار الدولة، وأن القوة، حين تستعيد دورها المؤسسي، ينبغي أن تفتح الطريق أمام السياسة والتنمية والمصالحة.
ومن هذه الزاوية، يصبح خليفة حفتر في الكتاب ليس مجرد اسمٍ في سجل المعارك، بل محورًا لسؤال أكبر: هل يمكن إعادة بناء الدولة من قلب الفوضى، وإعادة تعريف السلاح باعتباره أداةً للدولة لا بديلًا عنها؟
محمد فتحي الشريف ورضا عبد العزيز محمد.. كاتبان من قلب المشهد العربي
كتاب «حيَّه خليفة.. سيرة ومسيرة خليفة بلقاسم حفتر» عملٌ بحثي للصحافيين والباحثين محمد فتحي الشريف، رئيس مركز العرب للأبحاث والدراسات والنشر والتدريب، ورضا عبد العزيز محمد، رئيس وحدة الدراسات السياسية بالمركز. وكلاهما صحافي وعضو في نقابة الصحفيين المصريين واتحاد الصحفيين العرب، ولهما تجربة ممتدة في الصحافة والبحث ومتابعة القضايا العربية.
محمد فتحي الشريف انفتح مبكرًا على الصحافة العربية، وأبحر في عوالم الثقافة والفكر، وجال بين السياسة والعمل البحثي، حتى أسس مركز العرب للأبحاث والدراسات والنشر والتدريب، بعد مسيرة حافلة في الصحافة المصرية والعربية. ومن أبرز محطاته المهنية العمل في «الحياة اللندنية»، والمركز الإعلامي للمندوبية الليبية في القاهرة، التابعة للبرلمان الليبي، حيث ترأس وحدة الدراسات الاستراتيجية، إلى جانب رئاسة تحرير «الموقف الليبي»، والعمل في «مصر/ ليبيا» و«ليبيا الآن»، وعدد من الصحف والمواقع الليبية والعربية.
وقد ارتبط اسمه بصورة وثيقة بالشأن الليبي، حتى أصبح من الأصوات الحاضرة باستمرار في استديوهات التحليل المتخصصة في الملف الليبي، حيث يقدم قراءات تستند إلى الوثائق والأدلة، وتقوم على التحليل والمنطق وربط الوقائع بسياقاتها السياسية والاستراتيجية.
أما رضا عبد العزيز محمد، فهو رئيس تحرير وعضو المجلس الأعلى للصحافة سابقًا، خاض تجربة صحافية في عدد من المنابر العربية، من بينها «عكاظ» و«اقرأ» و«البلاد» السعودية، وراكم خبرة مهنية في متابعة القضايا العربية وتحليلها. وهو كاتب ذو توجه قومي عروبي، ينشغل بالهموم العربية وقضاياها الكبرى، ويولي اهتمامًا خاصًا بالتحولات السياسية التي تعيد تشكيل المنطقة ومستقبل دولها.
ومن هذا الرصيد الصحافي والبحثي المشترك، جاء «حيَّه خليفة»؛ محاولةً لقراءة تجربة ليبية شديدة التعقيد من داخل تفاصيلها، والاقتراب من مسارات الدولة والمؤسسة العسكرية والسياسة والإعلام، بعيدًا عن الاختزال الذي تفرضه عناوين الأخبار العابرة.
دار نشر مركز العرب.. تراهن على الكتاب الذي يصنع وعيًا
ينطلق مركز العرب للأبحاث والدراسات والتدريب، كما تقدم صفحات الكتاب فلسفته، من معنى يتجاوز الاسم إلى الانتماء الحضاري؛ فـ«العرب» هنا ليس عنوانًا جغرافيًا عابرًا، بل صلةٌ بين جذور الماضي وأسئلة الحاضر وآفاق المستقبل. ومن هذا المنطلق، تأتي دار النشر بوصفها ذراعًا معرفيةً لمشروع أوسع: إتاحة الدراسات والبحوث والكتب التي تضيء القضايا العربية، وتفتح مساحاتٍ للفكر والأدب والإبداع، وتدفع بالوعي من ضفة المتابعة إلى ضفة الفهم.
وإذا كان مركز العرب قد جعل البحث والدراسة والتدريب أدواتٍ لفهم الواقع، فإن دار نشره تستطيع أن تجعل الكتاب نفسه مساحةً للوعي والحوار؛ فتمنح الباحث صوته، والمبدع منبره، والقارئ مادةً تفتح أمامه أسئلة جديدة. إنها دارٌ يمكن أن تراهن على الكتاب العربي الجاد، الرشيق، القادر على الجمع بين المعرفة ومتعة القراءة، وعلى إنتاج ثقافةٍ عربية ترى في التقارب والتكامل سبيلًا لمواجهة تحديات المستقبل. وبهذا المعنى، لا تكون مهمة النشر مجرد إخراج الكتب، بل صناعة أثرٍ معرفي يبقى بعد أن تُطوى الصفحات.